الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

77

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والفضة الذي يخزن ، من إطلاق المصدر على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . و سَبِيلِ اللَّهِ هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا . فالموصول مراد به قوم معهودون يعرفون أنّهم المراد من الوعيد ، ويعرفهم المسلمون فلذلك لم يثبت أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أنب قوما بأعيانهم . ومعنى وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ انتفاء الإنفاق الواجب ، وهو الصدقات الواجبة والنفقات الواجبة : إمّا وجوبا مستمرّا كالزكاة ، وإمّا وجوبا عارضا كالنفقة في الحجّ الواجب ، والنفقة في نوائب المسلمين ممّا يدعو الناس إليه ولاة العدل . والضمير المؤنّث في قوله : يُنْفِقُونَها عائد إلى الذهب والفضة . والوعيد منوط بالكنز وعدم الإنفاق ، فليس الكنز وحده بمتوعد عليه ، وليست الآية في معرض أحكام ادّخار المال ، وفي معرض إيجاب الإنفاق ، ولا هي في تعيين سبل البرّ والمعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال ، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تؤدّ زكاته حين وجوبها ، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة ، ولا إلى تأويل سَبِيلِ اللَّهِ بالصدقات الواجبة ، لأنّه ليس المراد باسم الموصول العموم بل أريد به العهد ، فلا حاجة إلى ادّعاء أنّها نسختها آية وجوب الزكاة ، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية . ووقع في « الموطأ » أنّ عبد اللّه بن عمر سئل عن الكنز ، أي المذموم المتوعّد عليه في آية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الآية ما هو ؟ فقال : هو المال الذي لا تؤدّى منه الزكاة . وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من كان عنده مال لم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك » فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه ، أي فهو الكنز المذموم في الكتاب والسنّة وليس كلّ كنز مذموما . وشذّ أبو ذرّ فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز ، وعلى عموم الإنفاق ، وحمل سبيل اللّه على وجوه البرّ ، فقال بتحريم كنز المال ، وكأنّه تأول وَلا يُنْفِقُونَها على معنى ما يسمّى عطف التفسير ، أي على معنى العطف لمجرّد القرن بين اللفظين ، فكان أبو ذرّ بالشام ينهى الناس على الكنز ويقول : بشّر الكانزين بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، فقال له معاوية : وهو أمير الشام ، في خلافة